حسن حسن زاده آملى

715

عيون مسائل النفس وسرح العيون في شرح العيون

وما يحصل هناك من الصور اشدّ الذاذا وايلاما من هذه المحسوسات الملذة والمؤلمة بكثير لصفاء المحلّ وقوة الفاعل وعدم الشاغل وذكاء الدرك وانحصار القوى كلّها في قوة واحدة هي المتخيلة وصيرورتها عينا باصرة للنفس وقدرة فعالة وانقلاب العلم مشاهدة . فلا يخطر بالبال شيء في الجنة تميل اليه النفس إلا ويوجد في الحال باذن اللّه ويحسّ به احساسا قويا لا أقوى منه واليه الإشارة بقول النبي - صلّى اللّه عليه وآله وسلم - : « إنّ في الجنّة سوقا يباع فيه الصّور » . والسوق عبارة عن اللطف الآلهي الذي هو منبع القدرة على اختراع الصور بحسب المشيّة ونيلها بالحسّ . وبعد نقل روايتين في رتبة كن وقد تقدم نقلهما في العين التاسعة والأربعين قال : « وقد تبين في محلّه أن كلّ ما يصدر من الفاعل لا بواسطة المادة الدنياوية فحصوله في نفسه عين حصوله لفاعله وليس من شرط الحصول الحلول والاتصاف فان صور الموجودات حاصلة للباري - عزّ وجلّ - قائمة به من غير حلول ولا اتصاف . وان حصول الشيء للفاعل اوكد من حصوله للقابل فلكل واحد من أهل السعادة في الآخرة عالم فيه ما يريد . ومن يرغب في صحبته ينشأ في لحظة عين أو فلتة خاطر فالعوالم هناك بلا نهاية كل منها كعرض السماوات والأرض بلا مزاحمة شريك وسهيم فكل عالم عالم واللّه - عزّ وجلّ - رب العالمين . وقد ظهر مما تقدم أنّ المشتهيات في الآخرة تابعة للشهوات بعكس الدنيا كما قال اللّه - عزّ وجلّ - : « وَلَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ » « 1 » فما يريد يستحضر لا أنه يكون موجودا ثم يستحضر ؛ بل يستحضر فيصير موجودا بالاستحضار بلا قطع مسافة . وأيضا قد ظهر ان الآخرة نشأة الوجود والنور ، والادراك والحضور ، والحياة ، والظهور ، وكل ما فيها حي مدرك لأنّها ليست إلّا منشئات النفس القائمة بها فأنواع الفاكهة منها والأبنية والأنهار وغيرها كلها حيّة ناطقة لأن النفس حية ناطقة ، كما نطقت الروايات المأثورة في ذلك متظافرة . الفصل السابع والعشرون من الباب الحادي عشر من نفس الأسفار « 2 » : « اعلم أنه قد اتفق في هذا العالم لبعض الكاملين ممن قويت قوة خياله أو ضعفت قوة حسّه أن يرى بعين الخيال شيئا مشاهدا محسوسا كما يشاهد سائر المحسوسات فكثيرا ما يشتبه عليه الأمر

--> ( 1 ) . فصلت : 31 . ( 2 ) . الأسفار ، ط 1 ، ج 4 ، ص 190 .